انتهى عصر “هندسة الأوامر”. عامان كاملان وأحن نحاول ترويض الذكاء الاصطناعي، نختار كلماتنا بدقة، ونلتف حول النظام لنصل إلى نتيجة مرضية. اليوم، كل هذه المهارات أصبحت جزءاً من الماضي.
من “كيف” إلى “ماذا”
تغيرت اللعبة. لم تعد بحاجة لشرح الخطوات المملة، بل يكفي أن تطرح سؤالاً واحداً: ما هو تعريف العمل المتقن؟
أنت الآن تمنح الآلة “المسطرة” التي ستقيس بها جودة النتيجة، لا الخريطة التي تسير عليها. ثم يأتي دور “مصحح” محايد، لم يشارك في التفكير ولم ينبهر بالعمل، يراجع المخرج النهائي بناءً على معاييرك. إذا وجده ناقصاً، يعيده للورشة مرة أخرى. هل استوعبت الفكرة؟ الذكاء الاصطناعي بات ينفذ ويصحح في آن واحد. العائق الوحيد هو أن الآلة لا تعرف وحدها معنى “الإتقان”.
تذوق لا طبخ
هذا هو التحول الذي يغفل عنه الجميع. انتقلنا من مرحلة “كيف أنجز العمل” إلى “كيف أتأكد أنه أُنجز ببراعة”. الحقيقة المرة أن معظمنا يشعر بالجودة لكنه لا يعرف تعريفها. قد ترى عملاً رديئاً فتقول “هذا خاطئ”، لكنك ستعجز عن كتابة المعيار الذي جعل العمل خاطئاً.
ذوقك كان سجيناً في عقلك، والآن يجب أن تحرره في نص واضح لتقيس الآلة عليه. هنا يظهر الفرق بين صاحب الذوق الحقيقي ومجرد مردد لآراء الآخرين. النقد سهل، لكن رسم الخط الذي ننتقد على أساسه هو التحدي. القاضي لا يركض في السباق، لكن بدون معرفته بمكان خط النهاية، يصبح السباق مجرد ركض عشوائي.
المعيار هو القيمة
هذه كانت دائماً وظيفة بناء المنتجات: أن تتخيل الجودة قبل أن تولد. الذكاء الاصطناعي لم يقتل هذه المهارة، بل جعلها الميزة الوحيدة التي تمنحك التفوق.
أما بقية المهام فقد أصبحت “مجانية”. الكتابة، التنفيذ، وحتى التصحيح، كلها متاحة بضغطة زر. القيمة الوحيدة المتبقية هي ذلك العقل الذي يدرك الفرق بين “الجيد” و"الممتاز" ويستطيع صياغة هذا الفرق كتابة. أنت لم تعد الطباخ، بل أصبحت “الذواق”. حدد معايير الجودة بدقة، واترك الباقي للآلة.